أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
14
كتاب النسب
دليل بل يكفي أن نعيش مع سكان البادية في عصرنا هذا لنعرف مدى أصالة هذا العلم ، فالذي يجيد فن علم الأنساب له مكانة رفيعة بين قومه . وإذا كان علم الأنساب قد قاوم كل عوامل الفناء التي تعرض لها ، كما تعرض لها العرب أنفسهم ، فإنه من الواجب علينا أن نحيي هذا العلم وعلى أرضه نضع خطوط مستقبلنا وكيف لا ! ؟ ومن حولنا شعوب ليس لها نسب أو تاريخ . . وهي تزيف لها تاريخا وتفتعل لها نسبا كي تربط حاضرها بماضيها وتجعل لها جذورا . . . فإسرائيل تحول القصص الخرافية إلى بناء قومي أو هي تحاول ذلك . ويخطئ من يظن أن علم الأنساب بات من العلوم القديمة ولا ضرورة لإحيائه اليوم ، حيث أن الأمم تتباهى الآن بمنجزاتها العلمية والفكرية . ولكننا نقول له : أليست العلوم العصرية من علم الوراثة والأجناس والسلالات المعروفة اليوم ذات صلة بعلم الأنساب القديم ؟ . . . أليست دوائر السجل المدني اليوم هي دواوين أنساب الأمس ؟ ولولا وجودها لما استقرت المجتمعات أو عرفت الحقوق الشرعية . ولعل خير دليل على ضرورة إحياء هذا العلم ما ذكره أمير البيان شكيب أرسلان إذ قال : « إن علم الأنساب هو العلم الذي يبحث في تناسل القبائل والبطون والشعوب وتسلسل الأبناء والجدود ، وتفرع الغصون من الأصول في الشجرة البشرية بحيث يعرف الخلف عن أي سلف انحدر ، والفرع عن أي أصل صدر . في هذا العلم من الفوائد النظرية والعلمية بل من الضرورات الشرعية والاجتماعية والأدبية والمادية ما لا يحصى ، فليس علم الأنساب بطراز مجالس يتعلمه الناس لمجرد الاستطراف أو للدلالة على سعة العلم ، إنما هو علم نظري عملي معا . . وهو ضروري لأجل الدول الراقية المهذبة التي تريد أن تعرف أصول الشعوب التي اشتملت عليها ممالكها ، والخصائص التي عرف بها كل من هذه الشعوب ، بما يكون أعون لها على تهذيبها ، وحسن إدارتها ، فكما أن العالم المتمدن يعنى بتدريس جغرافية البلاد من جهة أسماء البلاد ومواقعها وحاصلاتها وعدد سكانها ، فإنه يجب أن يعنى بمعرفة أنساب أولئك السكان وطبائعهم وعاداتهم وميزة كل جماعة منهم . . . ولما كان من الحقائق العلمية الثابتة المقررة عند الأطباء والحكماء كما هي مقررة عند الأدباء والشعراء ، أن الأخلاق والميول والنزعات المختلفة تتوارث كما تتوارث الأمراض والأعراض الصحية والدماء الجارية في العروق ، فقد كان لا بد من